24/05/2026
(إعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير) . من سورة فصلت
قلت لا سبيل إلى فهم القرآن الكريم وكلام النبوة حق الفهم إلا بعد إتقان علوم اللسان العربي والتمهل في ارتياد موارد هذه العلوم وطول خدمتها وإدمان النظر فيها أزمنة طويلة.
وعلوم اللسان العربي خدمها علماء المسلمين أجل خدمة باعتبارها من الدين والشريعة ومرتبطة بالفهم والإفهام والإبانة والتبيين.
وجملة هذه العلوم متكاملة محكمة البناء مؤسس بعضها على بعض لا تنفصل عروتها الوثقى من غير تمايز ولا تعارض بداية من المعجم الذي يشتمل على دراسة مفردات اللغة وأصواتها والإلمام بأصول هذه المفردات اللغوية ودراسة البنية الصرفية والعلم بالأوضاع التركيبية للنظام اللغوي.
إضافة إلى علم البلاغة العربية الذي به تكتمل منظومة علوم اللسان العربي والفهم الصحيح لأغراض المتكلمين وما تحتمله تراكيب الكلام من وجوه المعاني لأن أوضاع التراكيب صنعة المبدعين وهي في الواقع صورة المعاني الذهنية.
وبين يدي القارئ الكريم هذا النص المقتطع من سياقه في النظام البنائي للسورة الكريمة (اعملوا ما شئتم) التركيب جملة طلبية إنشائية صيغتها صيغة أمر.
وأول ما يتبادر إلى الذهن هو حمل الأمر على ظاهره وهو أن الله يبيح للإنسان أن يفعل ما يريد من الكفر والإيمان حينئذ ستكون دلالة الكلام على المعنى فاسدة لا محالة.
وهنا لابد من مراجعة السياق لأنه أصل في إنتاج المعنى وإيضاح دلالاته وفق أوضاعه التركيبية والسياقية التي تنسجم مع منطق العقل والحكمة وفصل الخطاب.
ويتحتم هنا الرجوع إلى سياق الكلام في أوله حيث يقول سبحانه وتعالى:
(إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا أفمن يلقى في النار خير أمن يأتي آمنا يوم القيامة اعملوا ما شئتم).
والإلحاد في آيات الله صنيعة الكافرين ففهم المعني بمعونة السياق على أن الأمر الإلهي محمول على التهديد والوعيد وليس على الإباحة والتخيير كما قد يتبادر إلى الذهن.
فالسياق أساس في بناء المعنى ولا يمكن فهم المعنى القرآني وفق فلسفة النص كوحدة بنيوية مغلقة معزولة عن جميع السياقات الخارجية والداخلية مما يفتح باب التأويل للأهواء والآراء الشاذة التي هي من وحي وخيالات وضلالات المبرسمين.
وختام الآية الكريمة بالجملة الخبرية (إنه بما تعملون بصير) يقطع بأن الغرض من البيان الإلهي هو التهديد والوعيد بالعذاب الشديد لمن يلحدون في آيات الله بغرض الكذب والتحريف وإثارة الفتن بمعسول الكلام وزخرفه وزوره.