15/09/2026
تذكار مريم أم الأحزان
«مريم عند الصليب… حيث يتحوّل الألم إلى رجاء».
بعد أن احتفلنا أمس بعيد رفع الصليب المقدّس، الذي به خلّصنا المسيح بآلامه، توجّه الكنيسة اليوم أنظارنا إلى والدة الإله مريم، التي وقفت إلى جانب ابنها وشاركت قلبه في آلامه من أجل خلاص البشر.
وهكذا تحققت نبوءة سمعان الشيخ، حين قال لها وهي تحمل الطفل يسوع: «وأنتِ أيضًا سيَنفُذُ سيفٌ في نفسكِ» (لو 2: 35).
كان ألم يسوع قد طبع نفسه في قلب أمه؛ فلم تكن مريم متفرّجة على الصليب، بل تألّمت مع ابنها، وشاركت آلامه بقلب الأم وإيمان التلميذة. ومع ذلك لم تهرب، ولم تستسلم لليأس، بل بقيت أمينة عند الصليب.
وهنا تكشف لنا مريم معنى الإيمان الحقيقي:
الإيمان لا يلغي الألم، بل يمنحه معنى ورجاء.
يمكن للمؤمن أن يبكي ويتألّم، وأن يحمل في قلبه أسئلة كثيرة، ومع ذلك يبقى ثابتًا في ثقته بالله.
ومن مريم نتعلّم أيضًا معنى دعوتنا المسيحية. فقد قال الرب يسوع: «مَن أراد أن يتبعني، فليزهد في نفسه ويحمل صليبه كل يوم ويتبعني» (لو 9: 23).
فحمل الصليب لا يعني البحث عن الألم، بل أن نعيش المحبة والأمانة لله حتى في وسط الألم، وأن نشارك المسيح في رسالته وخلاص العالم. لذلك يقول القديس بطرس:
«تألّم المسيح من أجلكم وترك لكم مثالًا لتقتفوا آثاره» (1 بط 2: 21).
إن مريم عند الصليب هي أيضًا أمّ الرحمة والشفقة. فهي التي اختبرت الألم تعرف كيف تقترب من كل قلب مجروح.
وعالمنا اليوم يحتاج بشدة إلى هذه الشفقة:
إلى أن نصغي قبل أن نحكم، وأن نقترب من المتألّم بدل أن نكتفي بالكلمات، وأن نبقى إلى جانبه حتى عندما لا نستطيع تغيير ظروفه.
فأحيانًا لا يحتاج الإنسان إلى حلٍّ لمشكلته، بل إلى قلب يقول له: «أنا معك، ولن أتركك وحدك في هذا الألم.»
مريم لم تستطع أن تنزل يسوع عن الصليب، لكنها استطاعت أن تبقى معه. وفي هذا البقاء كان إيمانها، وفي هذا الإيمان كان رجاؤها.
لذلك فإن أم الأحزان هي أيضًا أم الرجاء.
فالصليب لم يكن النهاية، بل صار طريقًا إلى القيامة؛ والألم الذي يُعاش مع المسيح لا يكون بلا معنى، لأن المحبة أقوى من الألم والموت.
يا مريم أم الأحزان،
علّمينا أن نحمل صليبنا مع المسيح،
وأن نبقى ثابتين عندما لا نفهم،
وأن نثق عندما يصبح الطريق مظلمًا،
وأن نكون قريبين من كل إنسان يتألّم.
اجعلي قلوبنا أكثر رحمة،
وأعيننا أكثر انتباهًا لوجع إخوتنا،
واجعلي من آلامنا صلاة،
ومن دموعنا رجاء،
ومن حياتنا شهادةً للمسيح القائم.
يا مريم أم الأحزان، صلّي لأجلنا،
ولأجل كل إنسان يحمل اليوم صليبًا ثقيلًا.
ا. ايزن
#ايمان #مريم #الرجاء #الرحمة #محبة