Savant comme un Maronite - يوسف حشيمه

  • Home
  • Savant comme un Maronite - يوسف حشيمه

Savant comme un Maronite - يوسف حشيمه Catholic apologetics

" فى خبزك يختفى الروح الذى لا يؤكلفى خمرك تحل النار التى لا تُشرب.الروح فى خبزك و النور فى خمركيا للعجب المميز نالته شفا...
16/06/2026

" فى خبزك يختفى الروح الذى لا يؤكل
فى خمرك تحل النار التى لا تُشرب.
الروح فى خبزك و النور فى خمرك
يا للعجب المميز نالته شفاهنا

فى الخبز و الكأس النار و الروح القدس.
خُبزك قتل الشره الذى جعلنا خبزه
كأسك أباد الموت ، فها هو يحرقنا
أكلناك ربى و أيضاً شربناك
لا نَهلك ربى ، بل نحيا بك."

مار افرام السريانى (306 - 373)
أناشيد فى الإيمان - النشيد 10
فقرات 8 ، 17 و 18

عائلة حشَيمِه  🇱🇧 في سنة 1676 ، نكبت قرية معاد 'بلاد جبيل' بانتشار مرضي الجدرى و الطاعون بين سكانها، فقضت علي قسم منهم.و...
15/06/2026

عائلة حشَيمِه 🇱🇧

في سنة 1676 ، نكبت قرية معاد 'بلاد جبيل' بانتشار مرضي الجدرى و الطاعون بين سكانها، فقضت علي قسم منهم.

و قد هرب وقتئذ بنو حشيمه خوفاً من الابتلاء بالعدوى من جهة و من ظلم حسن باشا ، والي طرابلس، من جهة ثانية.و كانت أخبار الطمأنينة في بكفيا قد بلغت مسامعهم ، فجاؤوا إليها في السنة المذكورة.

و قد اشتهر أحدهم "سلامة حشيمه" الذي قابل نابليون بونابرت في عكا عام 1799و كان من أول المسافرين من بكفيا إلي مصر و من تعاطوا تجارة التبغ فيها. ثم عاد إلي وطنه بعد أن أثرى ، فأقتني أملاكا واسعة و أحرز مكانة رفيعة بين معاصريه."

من كتاب "تقويم بكفيا الكبرى و تاريخ أسرها"
للشيخ ادمون بليبل (1935)
مطبعة العرائس... بكفيا - لبنان

----------

من أبرز شخصيات العائلة :

🔸 ميخائيل بك حشيمه: حصل علي وسام “كومنداتوري” من القديس البابا بيوس العاشر سنة 1906

🔸 عبدالله حشيمه (1897-1972) : صحفي و كاتب و رحالة

🔸 الأب/ كميل حشيمه اليسوعي (1933-2015) : من أبرز المتخصصين اليسوعيين في الأدب العربي الكلاسيكي والتراث العربي المسيحي في لبنان وسوريا.

🔸الأخت : مارسيل-مادلين حشيمه : خدمت في مدرسة العائلة المقدسة بالمنصورة - مصر.

🔸جورج روفائيل حشيمه (1902-1990) : قام بتدريس اللغة الفرنسية لأكثر من 30 عاما للاكليركيين الأقباط الكاثوليك بإكليريكيّة القديس البابا لاون الكبير بالمعادي - مصر

السبت القادم، يطلّ عيد الميلاد الثمانون لابن سوريا البار صاحب الغبطة يوسف العبسيلسنين كثيرة يا سيد، بالصحة والنعمة.
15/06/2026

السبت القادم، يطلّ عيد الميلاد الثمانون لابن سوريا البار صاحب الغبطة يوسف العبسي
لسنين كثيرة يا سيد، بالصحة والنعمة.

" أنه من السخف التفكير بأننا قادرون على العيش من خلال إزالة الله من حياتنا. الله هو مصدر الحياة: وبالتالي فإن إزالته تعن...
14/06/2026

" أنه من السخف التفكير بأننا قادرون على العيش من خلال إزالة الله من حياتنا.

الله هو مصدر الحياة: وبالتالي فإن إزالته تعني الانفصال عن هذا المصدر، والحرمان الحتمي من الكمال والفرح: "فالخليقة تتلاشى من دون الخالق" (المجمع الفاتيكاني الثاني، فرح ورجاء 36). تميل الثقافة المعاصرة في بعض مناطق العالم وبخاصة في الغرب إلى استبعاد الله أو اعتبار الإيمان كمسألة خاصة لا علاقة لها بالحياة الاجتماعية. وعلى الرغم من أن كل القيم التي تؤسس المجتمع نابعة من الإنجيل – كمعنى كرامة الإنسان والتضامن والعمل والعائلة – إلا أننا نلاحظ "غياب الله"، ونسياناً ورفضاً للمسيحية، وإنكاراً لكنز إيماننا، الأمر الذي قد يؤدي إلى فقدان هويتنا العميقة.

لذلك، أيها الأحباء، أدعوكم إلى ترسيخ إيمانكم بالله، أب ربنا يسوع المسيح. أنتم مستقبل المجتمع والكنيسة! وكما كتب الرسول بولس لمسيحيي مدينة كولوسي، فمن الضروري أن تكون لنا جذور، أسس متينة!

وهذا يصح اليوم بخاصة، عندما لا يتمتع شباب كثيرون بمراجع مستقرة لبناء حياتهم مما يولد فيهم شعوراً بالخطر. إن النسبوية السائدة التي تعتبر أن كل الأمور متساوية وأن لا وجود لأي حقيقة ولأي مرجعية مطلقة، لا تولد الحرية الفعلية بل عدم الاستقرار وخيبة الأمل والتقيد ببدع الزمن.

يحق لكم أنتم الشباب أن تنالوا من الأجيال السابقة مراجع واضحة لتتخذوا خياراتكم وتبنوا حياتكم: كما تحتاج النبتة الصغيرة للدعم لكي تنمو جذورها وتصبح شجرة قوية قادرة على الثمار. "

قداسة البابا بندكتوس السادس عشر

الأباتي أثناسيوس الجلخ، الرئيس العام الأسبق للرهبانية اللبنانية المارونية، عُرف بحياة الصلاة والتواضع والبساطة، وترك أثر...
14/06/2026

الأباتي أثناسيوس الجلخ، الرئيس العام الأسبق للرهبانية اللبنانية المارونية، عُرف بحياة الصلاة والتواضع والبساطة، وترك أثرًا طيبًا في نفوس كثيرين من الرهبان والمؤمنين وكل من عرفه.

من كانت له ذكريات معه، أو موقف إنساني أو كلمة لا تزال عالقة في ذهنه، فليشاركنا بها في التعليقات، لتبقى هذه الشهادات الجميلة حيّة بيننا.

"يعلمنا الإيمان أن الروح القدس قد أُعطى لأولئك الذين يؤمنون بيسوع المسيح ؛ أنه من خلال يسوع المسيح تكونت الكنيسة ، أم ال...
14/06/2026

"يعلمنا الإيمان أن الروح القدس قد أُعطى لأولئك الذين يؤمنون بيسوع المسيح ؛ أنه من خلال يسوع المسيح تكونت الكنيسة ، أم المؤمنين والتي تُدعى كاثوليكية لأنها اكتملت من كل النواحى ، فهي لا تقدم أي جانب ضعيف وهي منتشرة في كل مكان في الكون: إنها تعلمنا المغفرة الممنوحة للرجال التائبين ، من الخطايا التي ارتكبوها ، والوعد الإلهي بالحياة الأبدية ، بملكوت السموات."

القديس أغسطينوس (354-430)
"التفسير الحرفى لسفر التكوين" - من الفصل 1

الخوري يوسف أبي صعب (1915-1985)في ربوع بلدة الكفور الوادعة، الرابضة في فتوح كسروان، أبصر الخوري يوسف أبي صعب النور في ال...
14/06/2026

الخوري يوسف أبي صعب (1915-1985)

في ربوع بلدة الكفور الوادعة، الرابضة في فتوح كسروان، أبصر الخوري يوسف أبي صعب النور في العام 1915، يوم كان العالم تحت وطأة حرب عالمية، ولبنان يرزح تحت الحكم العثماني. تابع دروسه في مدرسة القرية، فتعلم مبادئ العربية والسريانية والفرنسية، لكنه اضطر إلى التوقف عن متابعة دروسه بسبب مرض والدته، وضيق ذات يد والده، فاتخذ صنعة الحلاقة وسيلة لكسب رزقه ومساعدة أسرته. في العام 1937، دخل مدرسة عين ورقة الإكليريكية، وبعد سنتين انتقل إلى مدرسة الرسل في جونيه، ودرس فيها اللاهوت. وفي العام 1942 دخل مدرسة مار عبدا هرهريا لمتابعة دروسه اللاهوتية. ثم ترقى إلى درجة الكهنوت في العام 1946، ثم بدأ رسالته الرعائية، فخدم عدداً من الرعايا في كسروان والمتن وبعبدا حتى العام 1983، حين استقال من الخدمة بسبب سوء وضعه الصحي، إلى أن أطفأ عينيه في العام 1985، عن عمر قارب السبعين سنة أمضاه في خدمة الرعايا والكتابة، تاركاً تراثاً تأريخياً جليلاً كان أبرز ما فيه كتابه “تاريخ الكفور كسروان واسرها”، موضوع مقالتنا. وقد أشرف على نشره وتنقيحه نجله المحامي شارل أبي صعب، بعدما كان والده قد حوّله إلى الطبع، فصدر بعد سنة على وفاة الخوري يوسف.

حين يتبادر إلى الأذهان ذكر بلدة الكفور، يترافق معه ذكر المؤرخ يوسف أبي صعب، الذي خلد اسمه في مؤلفه الكبير “تاريخ الكفور كسروان وأسرها”. انطلاقاً من روح البحث التي تجذرت فيه منذ صغره، وتجلت بجمع الوثائق والمخطوطات ونوادر المطبوعات، وشغفه بالتاريخ الذي يقول عنه في كلمة له يستهل بها كتابه، إنه أسمى العلوم وأجلها، وله المقام الأول بين العلوم الكلامية والأدبية، أراد الخوري أبي صعب أن يكتب تاريخ مسقط رأسه، مستنداً إلى كل ما يمكن أن يثبت أقواله وآراءه. فهو لم يوفّر أي مصدر أو مرجِع، أي وثيقة أو مخطوطة لها صلة مباشرة أو غير مباشرة بتاريخ الكفور، فجال وصال في أرجاء لبنان بحثاً عما يفيده ولو بجملة تروي غليله وتوصله إلى الحقيقة.

الكتاب هو ثمرة جهد كبير، ثبّت فيه الكفور بلدة لها تاريخها وماضيها اللذان تفاخر بهما. وهو، كما يدل عنوانه، أراد من خلاله المؤلف أن يكتب تاريخاً شاملاً لبلدته، مع التركيز على دراسة أسرها التي صنعت ماضيها وحاضرها. والخوض في هذا النوع من الدراسات يتطلب سعة اطلاع، وإحاطة كافية بمختلف الموضوعات المنوي الحديث عنها. ولا تتوافر هذه المقومات إلا بعد عمل دؤوب وبحث متواصل عن الأصول، وهذا ما دأب عليه الخوري أبي صعب حين وضع نصب عينيه كتابة تاريخ الكفور، إلى حد أنه غدا ذاكرتها، وبات مرجعاً مقصوداً لأخذ فوائد تاريخية منه عن قرى لبنان عموماً والكفور وأسرها على وجه الخصوص. وقد اعتمد عليه كل من أراد الحديث عن الكفور. وكم آلمه إغفال أصحاب تلك الكتابات ذكره كمرجع، لا بل إن أحد التحقيقات المصورة عن الكفور، الصادر في العام 1983، نُقل حرفياً عن مقالة الخوري أبي صعب حول الفتوح والكفور في مجلة “الفصول”، ولم يشر صاحبا التحقيق إلى موضوع النقل بكلمة.

قسّم أبي صعب كتابه ثلاثة أقسام، تضمّن القسم الأول نُبذة تاريخية عن الكفور وآثارها وحاصلاتها ومياهها ومناظرها وكهنتها، وأصل أسرها ومنشأها؛ وخصّص القسم الثاني لعائلة أبي صعب؛ ودرس في القسم الثالث سِيَر الذين اشتهروا ونبغوا من آل أبي صعب في الكفور.

يظهر تعلق أبي صعب ببلدته الكفور جلياً منذ الصفحات الأولى لكتابه، فهو في القسم الأول لا يوفر أي خبر أو حدث له علاقة بكسروان إلا ويذكره، محاولاً ربط ذلك ببلدته التي يشير إلى أقدمية الوجود السكاني فيها ومعاصرتها الدول الأولى، ومن ثم أهمية الحضور الماروني في الكفور وفي كسروان عموماً، إلى درجة أنه خصص مقالة مطولة نشرها في العام 1979 في مجلة “الرعيّة”، تحدث فيها عن الخراب الذي خلفه المماليك في كسروان بعد حملتهم الثالثة في العام 1305 وأقوال المؤرخين فيه، وعن الطوائف التي كانت تسكنه، فأثبت بالحجج، كما يقول، أن سكان كسروان كانوا موارنة ودروزاً فقط! طبعاً، إن محاولة الخوري أبي صعب إبراز خصوصية كسروان المارونية نابعة من تعلقه الشديد بمارونيته. ولا يمكن هنا نعته بالتعصب، فهو لا يغفل دور بقية الطوائف في تاريخ هذا الوطن، وارتبط بمروحة علاقات واسعة مع مختلف الأطياف، وجمعته علاقات صداقة وطيدة بشخصيات من كل الأديان. ونعتقد أن ما ذكره بشأن سكان كسروان، خلال مرحلة وضع كتابه، كان لبنان فيها يمرّ بحروب عبثية داخليّة، وظهرت آنذاك كتابات حاول فيها أصحابها، إنطلاقاً من تعصب طائفي على العموم، أن ينفوا صفة الوجود المسيحي، وتحديداً الماروني، في كسروان. فأراد ربما بذلك أن يردّ على ما ادّعته أو زعمته تلك الدراسات التي تفتقد الموضوعية والدقة في معظم ما ذهبت إليه. في كل الأحوال، لا يزال الجدل قائماً حتّى اليوم حول هويّة سكان كسروان في القرون الوسطى، وتحديداً في العصر المملوكي (1260-1516)، ففي حين نفى بعضها الوجود الماروني في كسروان قبل القرن الخامس عشر، أكد بعضها الآخر استهداف المماليك الموارنة في حملتهم الثالثة على كسروان. في نهاية المطاف، كانت تلك الحملة شرسة وعنيفة، شتتت سكان كسروان بين الشمال والجنوب والبقاع وربما خارج لبنان، وغيّرت خريطة التوزيع السكاني آنذاك.

لقد أحاط الخوري أبي صعب في القسم الأول من كتابه بالإطار الجغرافي والتاريخي للكفور، وهو وإن كان مدخلاً للتعريف بالبلدة جغرافياً من حيث الموقع، والحدود، والمِساحة، والأقسام، والمناخ، والغابات، والينابيع، والحاصلات، فإنّ أهميته تكمن في تتبّع الخوري أبي صعب كل ما يرتبط بهذا المجال، كي يأتي كلامه دقيقاً وموثّقاً، يضاف إلى معرفته الشخصية بكل “شاردة وواردة” عن الكفور التي نشأ وتربّى في كنفها، وجال فيها، واكتشف خباياها وأسرارها في طفولته وفي سنّ المراهقة. أضف إلى ذلك أهمية الإطار التاريخي في القسم الأول من الكتاب الذي أظهر فيه الخوري أبي صعب مدى حرصه الشديد على ألا يفوته شيء مما كتب وقيل في الكفور، فجاء ما ذكره غنياًّ ووافياً حتى تاريخ وضع كتابه، فلو أطال الزمن عمره لربما كان أضاف جديداً، بما عُرف عنه بحثه الدؤوب عن كل ما يمتّ بصلة إلى تاريخ الكفور.

إن هذا النوع من الكتابة الذي يسعى إلى الإضاءة على تاريخ القرى الاجتماعي والاقتصادي والتربوي والديني، يأتي كمحاولة لإظهار أهمية دراسة تاريخ الريف كأرض ومجتمع. فتاريخ الوطن تصنعه الجماعات المنتشرة على أرجائه كافة، وتاريخ الوطن يُدرَس انطلاقاً من دراسة كل مكوّناته الاجتماعية، ودورها، وقدراتها، وتفاعلاتها في ما بينها ومع المحيط القريب والبعيد. ولا تكتمل دراسة التاريخ بالتركيز على فئة وإهمال أخرى، وإن كانت المجتمعات الريفية والفقيرة مهمّشة في ثنايا المصادر منذ قرون بعيدة.

وبما أن البلدات والقرى أساسها مجتمعات صغيرة مركّبة من عائلات صنعت تاريخها وأسهمت بدورها في صناعة تاريخ الوطن، رأى الخوري أبي صعب أن يخصص القسم الثاني من كتابه ليدرس تاريخ عائلته. طبعاً، إنّ معرفة تاريخ العائلة، وجذورها، وأصولها، وتفرّعاتها، وأماكن انتشارها، وأبرز رجالاتها، تحتلّ مكانة مهمة في الفكر المشرقي. ويندرج ما أقدم عليه الخوري أبي صعب في خانة الدراسات التي عنيت بالتركيب العائلي، وسعت لدراسته عبر نماذج من القرن التاسع عشر والقرن العشرين. فيما حاول المؤرّخ الدرزي صالح بن يحيى الذي توفي في القرن الخامس عشر، دراسة تاريخ عائلته البحترية ـ التنوخية في كتابه تاريخ بيروت.

إنّ تتبّع تاريخ العائلة دونه عقبات كثيرة، وتأتي في أولوية المصادر، معظم الأحيان، الروايات الشفهية المتناقلة جيلاً بعد جيل، والتي تتشابه في مضامينها معظم الأحيان، من حيث أصل العائلة وأسباب انتقالها من منطقة إلى أخرى. وقد درس أبي صعب أصل الأسرة الصعبية ومنشأها وحضورَها إلى فغال وتفرّقَها في كثير من القرى اللبنانية وأنسباءها وفروعَها. وقد انطلق في دراسته من تاريخ الموارنة في لبنان، وهو ما يظهر مرّة جديدة تعلقه بمارونيته، وإثبات دور الموارنة في تاريخ لبنان، ودور بكركي في المحافظة على لبنان عبر التاريخ، ليؤكد أهمية حضور الموارنة الفاعل والأساس في نشأة الكيان اللبناني. طبعاً، إن الكثير مما ذهب إليه الخوري أبي صعب في هذا القسم من الكتاب، على أهمّيته، يحتاج إلى مناقشة هادئة لوضع بعض النقاط على الحروف، لكنّ المجال لا يتسع لها في هذه العجالة. وهو يبدو في كل ما أورده حريصاً على إثبات المنشأ الماروني لعائلة أبي صعب، وعلاقتها مع المحيط الذي وجدت فيه، قبل انتقالها إلى فغال، ومن ثم هجرتهم من فغال، وفروعهم، وتلقبهم بالفغالي، ومشاهير عائلة الفغالي، وأبرز مهاجريها إلى أميركا وصولاً إلى الجامعة الفغالية. بعد ذلك ركز أبي صعب بحثه على حضور صعب إلى كسروان، وتفرّق أولاده، ونزوح آل أبي صعب إلى الكفور، وما استتبع ذلك من حوادث أورد تفاصيلها في كتابه.
يتضح، بعد قراءة القسم الثاني من الكتاب، أنّ الخطوات التي اتبعها الخوري أبي صعب في كتابته عن تاريخ عائلته تنمّ عن محاولة حثيثة تكشف عن مدى التقميش الرصين لاحتواء أكبر قدر من المعطيات الكافية للتدليل على مختلف الحقب التاريخية التي قطعتها العائلة حتى تاريخ استقرارها ببلدة الكفور.

يبقى القسم الثالث والأخير من الكتاب، وقد خصصه الخوري أبي صعب لترجمة حياة من اشتهر من عائلة أبي صعب في الكفور. ويحتل هذا القسم جزءاً مهماً من الكتاب، تناول فيه أهم الشخصيات الدينيّة، والفكريّة، والأدبيّة، وتلك التي تعاطت الشأن العام. ولم يبخس أيّاً منها حقها، وبيّن أهم مآثرها وأعمالها، ودور كل منها في المجال الذي خاضته، والتكريمات والاحتفالات الخاصة ببعضها، إلى غير ذلك ممّا يشير إلى المكانة التي احتلتها كل شخصية. ويشكل هذا القسم مَعيناً مهماً للدراسات التي تعنى بالتاريخ الاجتماعي والديني والتربوي، ومعرفة المكانة التي احتلتها الكفور مقارنة بالقرى والبلدات المجاورة لها، أو على صعيد القضاء ككلّ.

إذا كان التاريخ يكتب بالوثائق، فإنّ الخوري أبي صعب انتهج هذا المسار، وراعاه في كتابه “تاريخ الكفور” الذي جاء ثمرة عدد كبير من الوثائق بمختلف أنواعها، كان أميناً في استخدامها، وشديد الحرص على الاستفادة من كامل مضامينها. قيل “إذا ضاعت الأصول ضاع التاريخ معها”، وبما أن الخوري يوسف أبي صعب هو معجم الوثائق والنصوص، كما قال عنه الأب بولس صفير، فلا يمكن أن يضيع عنده التاريخ.

يبقى أنّ كتاب “تاريخ الكفور” قابل للتطوير والإضافة عليه، على ضوء اكتشاف وثائق ومصادر جديدة، ويمكن تحقيق هذا الأمر بهمّة نجله المحامي شارل أبي صعب، الذي يتابع مسيرة والده. كذلك إنّ آثار الخوري أبي صعب، سواء المكتوبة أو المخطوطة، تستحقّ إعداد دراسة جامعيّة عنه، تقارن بينه وبين أعمال أخرى لمؤرخين عاصروه، تظهر مدى النتائج التي توصل إليها في كتاباته، ويمكن الاستفادة منها لتصحيح بعض الشوائب في تاريخ لبنان.

المصدر:

https://www.jadidouna.com/166913?fbclid=Iwb21leASbiFVjbGNrBJuISmV4dG4DYWVtAjExAHNydGMGYXBwX2lkDDM1MDY4NTUzMTcyOAABHoh5wHjIv_O5x0ikajyGSiBMCEJ-vhPWDNqwzlqK37Cry5fowEgDgeonZGiU_aem_a4Zbx-KQRAxxlf1bgfgoqw

"ويلٌ للكاهن الذي لا يحافظ على سمو مقامه، ويخون اسم الله القدوس الذي يجب أن يقدسه. لا شيء أكثر إيلامًا من فساد الصالحين:...
14/06/2026

"ويلٌ للكاهن الذي لا يحافظ على سمو مقامه، ويخون اسم الله القدوس الذي يجب أن يقدسه. لا شيء أكثر إيلامًا من فساد الصالحين: "عظيمة هي كرامة الكهنة، ولكن عظيمة أيضًا هي مصيبتهم إن أخطأوا؛ فلنفرح ببلوغنا هذه المرتبة، ولكن لنخشَ السقوط منها بسرعة؛ لأن الحزن الناجم عن السقوط من القمة أشد من الفرح بالوصول إليها!"

ويلٌ إذن للكاهن الذي يعيش غافلًا عن نفسه، يهمل الصلاة، ويرفض غذاء القراءات الروحية؛ الذي لا يعود إلى ذاته أبدًا ليسمع صوت الضمير الذي يوبخه. لا جراح روحه النازفة، ولا دموع الكنيسة الأم، ستعيده إلى رشده، حتى لا تصيبه تلك التهديدات الرهيبة: "أعمِ قلب هذا الشعب، وأثقل أذنيه، وأغلق عينيه، حتى لا يرى بعينيه، ولا يسمع بأذنيه، ولا يفهم بقلبه، فيتوب فأشفيه" (إشعياء 6:10).

ليبعد الله الرحيم هذا المصير عن كل واحد منكم، أيها الأبناء الأعزاء، الله الذي يرى قلوبنا خالية من أي مرارة تجاه أي شخص، بل تتحرك فقط بدافع المحبة الأبوية والرعوية: "ما هي حقًا رجاؤنا، أو فرحنا، أو إكليل مجدنا؟ أليس أنتم أمام ربنا يسوع المسيح؟" (1 تسالونيكي 2:19).

القديس البابا بيوس العاشر (1835-1914)
من الإرشاد الرسولي HAERENT ANIMO
بمناسبة مرور 50 عاما علي رسامته الكهنوتية
4 آب 1908

«إنَّ الرجاء المسيحيَّ يعني أن تُدرك وجود الشرّ في العالم، ومع ذلك تمضي نحو المستقبل بكل ثقة. فجوهر الإيمان يكمن في تقبّ...
14/06/2026

«إنَّ الرجاء المسيحيَّ يعني أن تُدرك وجود الشرّ في العالم، ومع ذلك تمضي نحو المستقبل بكل ثقة. فجوهر الإيمان يكمن في تقبّل حقيقة أنَّنا محبوبون من الله؛ وعليه، فإنَّ الإيمان هو أن تقول "نعم" -ليس لله فحسب، بل للخلقِ والمخلوقات، وقبل كل شيءٍ للبشر- وأن تجتهد في رؤية صورة الله في كلِّ إنسانٍ لتغدو محبّاً.

هذا ليس أمراً يسيراً، لكنَّ هذه الـ "نعم" الجوهرية، وتلك القناعة بأنَّ الله هو خالق البشر، وأنَّه سندهم، وأنَّهم ليسوا مجرد وجودٍ سلبي، تمنح الحبَّ مرجعيةً تُرسّخُ الرجاءَ على أساسِ الإيمان».

— جوزيف كاردينال راتسنجر
(البابا بندكتوس السادس عشر)
من كتاب ملح الأرض: حوار مع بيتر سيفالد، 1997.

أمّ يسوع في إنجيل يوحنّابقلم سيادة المطران بطرس مراياتيمطران حلب للأرمن الكاثوليكمن يقرأ إنجيل يوحنا لا يجد ذكرًا لاسم "...
14/06/2026

أمّ يسوع في إنجيل يوحنّا
بقلم سيادة المطران بطرس مراياتي
مطران حلب للأرمن الكاثوليك

من يقرأ إنجيل يوحنا لا يجد ذكرًا لاسم "مريم" التي وُلد منها المسيح. بل يُشار إليها بلقب "أمّ يسوع". ويستخدم يوحنا لقب (أمه- أمّه- أمّك) تسع مرّات، وكأنّه ما من اسمٍ لهذه الأمّ. حتى يتبادر إليك السؤال: هل كان يوحنا يعرف أنّ أمّ يسوع تدعى "مريم"؟

وفي المقابل، لا نجد عند الإنجيليين الإزائيين لقب "أمّ يسوع"، بل يكتفي متى ومرقس ولوقا بالإشارة إليها صراحة باسم "مريم".

صحيح أنّ يوحنا يستخدم اسم "مريم" 15 مرّة، ولكن، للدلالة على نساء أخريات يحملن هذا الاسم: مريم أخت مرتا، ومريم المجدلية، ومريم امرأة قلوبا.
كما أنّ يوحنا لا يذكر شيئًا عن أحداث الطفولة كما جاءت عند متى ولوقا (البشارة، المذود، المجوس، الناصرة..) ولكنّه، في المقابل، يورد حادثتين ليس لهما أيّ ذكر في سائر االأناجيل: حضور مريم في عرس قانا الجليل، وعند صليب الجلجلة.
هذا ويلتقي يوحنا مع الإنجيليين الإزائيين في شأن مريم، وفي شأن أسرة يسوع الحقيقية، عندما يذكرهم في مقاطع عابرة مشيرًا إلى "أمّه وإخوته" (2: 12 و3:7، 5) (راجع أيضًا 20: 17 و21: 23). ويذكر أنّ الجمع قال: "نحن نعرف أباه وأمّه" (6: 42)، وكان يوحنا مطّلعًا على التقليد الذي يجعل ولادة المسيح في بيت لحم "ألم يقل الكتاب إنّ المسيح هو من نسل داود وإنه يأتي من بيت لحم" (7: 42). ويورد أيضًا لمحةً إلى حياة يسوع في الناصرة على لسان فيلبّس: "الذي كتب في شأنه موسى في الشريعة وذكره الأنبياء، وجدناه، وهو يسوع أبن يوسف من الناصرة" (1: 45). والمسيح يلقّب بالناصريّ (18: 7 و19: 19)، أمّا الناس فيحسبونه أبن يوسف (6: 42).
نترك هذه المقاطع الثانوية جانبًا، ونصبّ اهتمامنا في دراسة موضوع "أمّ يسوع" كما جاء ذكرها في آية قانا الجليل وعند الصليب.
أولاً: حضور "أمّ يسوع" في عرس قانا الجليل وعند الصليب
ترتبط نظرة يوحنا الخاصة إلى أمّ يسوع بفقرتين رئيستين، وهما آية قانا (2: 1-12) ومشهد الجلجلة (9: 25-27). لن أغوص في تفسير الروايتين فقد كثرت الدراسات البيبلية فيهما كما يتّضح من قائمة المراجع باللغة العربية المرفقة، أمّا عن المراجع باللغات الأجنبية فحدّث ولا حرج.
لذا عمدت إلى وضع مقاربة بين النصيّن، استنادًا إلى ما جاء في بعض التفاسير اللاهوتية والدراسات البيبلية، لنكشف بعد ذلك التماسك والترابط في إنجيل يوحنا من بدايته حتى نهايته حيث تأتي شخصية "أمّ يسوع" عاملاً من عوامل هذه اللحمة بين أجزاء الإنجيل الواحد، وأنموذجًا لرؤية يوحنا في لاهوت التجسّد والخلاص المسيحاني.
عرس قانا الجليل (يو 2: 1، 12)
"وفي اليوم الثالث، كان في قانا الجليل عرسٌ وكانت أمّ يسوع هناك. فدعي يسوع أيضًا وتلاميذه إلى العرس ونفدت الخمر، فقالت ليسوع أمّه: "ليس عندهم خمر" فقال لها يسوع: "مالي وما لك أيّتها المرأة؟ لم تأت ساعتي بعد." فقالت أمّه للخدم: "مهما قال لكم فافعلوه". وكان هناك ستة أجران من حجر لما تقتضيه الطهارة عند اليهود، يسعُ كلّ واحد منها مقدار مكيالين أو ثلاثة. فقال يسوع للخدم: "إملأوا الأجران ماءً".
فملأوها إلى أعلاها. فقال لهم: "اغرفوا الآن وناولوا وكيل المائدة". فناولوه، فلمّا ذاق الماء الذي صار خمرًا، وكان لا يدري من أين أتت، في حين أنّ الخدم الذين غرفوا الماء كانوا يدرون دعا العريس وقال له: "كلّ امرىء يقدّم الخمرة الجيّدة أولاً، فإذا سكر الناس، قدّم ما كان دونها في الجودة. أمّا أنت فحفظت الخمرة الجيّدة إلى الآن". هذا أولى آيات يسوع أتى بها في قانا الجليل، فأظهرمجده فآمن به تلاميذ، ونزل بعد ذلك إلى كفرناحوم هو وأمّه وإخوته وتلاميذه، فأقاموا فيها بضعة أيّام". عند الصليب (يو 19: 25، 27)
"هناك عند صليب يسوع، وقفت أمّه، وأخت أمّه مريم امرأة قلوبا، ومريم المجدليّة، فرأى يسوع أمّه، وإلى جانبها التلميذ الحبيب إليه. فقال لأمّه: "أيتها المرأة، هذا أبنك". ثمّ قال للتلميذ: "هذه أمّك". ومنذ تلك الساعة استقبلها التلميذ في بيته".

(يو 33:19، 35)
"أمّا يسوع فلمّا وصلوا إليه ورأوه قد مات، لم يكسروا ساقيه، لكنّ واحدًا من الجنود طعنه بحربةٍ في جنبه، فخرج لوقته دمٌ وماء. والذي رأى شهد وشهادته صحيحة، وذاك يعلم أنّه يقول الحقّ لتؤمنوا أنتم أيضًا"

لا شكّ في أن النصّين مختلفان من حيث المكان والزمان والحدث، ولكنّنا نستطيع أن نستنبط أوجه الشبه بينهما ما دام أنّ الدور الأساسي في النصيّن يتمحور حول يسوع في حضور أمّه.
من الثابت أنّ هاتين الروايتين مرتبطتان الواحدة بالأخرى ارتباطًا أدبيًا ولاهوتيًا وثيقًا. وسنرى أنّ هذين الحدثين وفي مراحل مختلفة، يجعلان مريم تدرك رسالتها الجديدة بالنسبة إلى دعوتها الأولى لأن تكون أمّ ابن الله بالجسد، وإلى دعوتها الثانية لأن تكون أمّ المؤمنين.
ثانيًا: مقاربة مريميّة بين عرس قانا ومشهد الصليب
نعرض في ما يلي أوجه الشبه بين النصيّن من حيث التعابير والرموز والأفكار اللاهوتية:

1- البداية والنهاية
تقع حادثة عرس قانا الجليل في بداية رسالة المسيح، وتأتي حادثة الصليب في نهاية حياته الرسولية. وفي كلتا الحادثتين نجد "أمّ يسوع" حاضرةً على نحوٍ مميّز ولا يُذكر لها حضورٌ آخرُ في إنجيل يوحنا.
وإذا قسمنا الإنجيل إلى قسمين كبيرين: كتاب الآيات (2-12) وكتاب الآلام والمجد (13- 21)، لبقي هذان القسمان في وحدة كاملة. ثمّة أيضًا "رباط لاهوتيٌّ" بين القسمين، بالإضافة إلى هذا الرباط التاريخي، إذ تكشف الآيات بطريقة جزئية ما ستكشف الآلام حقيقته التامّة: "متى رفعتم ابن الإنسان، عرفتم أنّي أنا هو" (28:8). إنّ مجد يسوع سيُكشف تمامًا في آية الصليب الكبرى:" وأنا إذا رُفعت من الأرض جذبتُ إليّ الناس أجمعين. وقال ذلك مشيرًا إلى الميتة التي سيموتها" (12: 32-33).
فالقول إنّ قانا هي أولى الآيات هو القول إنّ قصّةً قد بدأت، قصّة ستجد خاتمتها على الصليب الذي يفهمه يوحنا انتقالاً من هذا العالم إلى مجد الآب (1:13).
أليس من الأهمّية بمكان أن يذكر الإنجيلي يوحنا "أمّ يسوع"، في البداية وفي النهاية؟

2- كانت هناك
ربّما نستخفّ بهذه الكلمة "هناك"، ولكنّها غنيّة بمعانيها. إنّها تشير إلى "الحضور".
مريم هي الحاضرة دومًا، الصاغية دومًا، المتنبّهـة دومًا. وكان لحضورها في عرس قانا الجليل الدور الأساسي في إبراز وجه المسيح الخلاصي. لا تشدّ الأنظار إليها، بل تختفي بعد حضور لتترك الأضواء مسلّطة على يسوع.
ومريم، هي الحاضرة عند الصليب بينما الرسل غائبون ما عدا يوحنا. ولكنّ حضورها هو حضور الألم، حضور الصمت، هي واقفة تنظر إلى يسوع كما ينظر إليها. ولغة العيون خيرٌ من لغة اللسان.
وإذا دخلت في حوار مع ابنها يسوع في عرس قانا الجليل، فهي عند الصليب تصغي إلى حوارٍ آخر بين يسوع ويوحنا ولكنّه يدور حول شخصها.
وتبقى مريم "أمّ يسوع" حاضرةً بين التلاميذ بعد ارتفاعه، كما يذكرها كتاب أعمال الرسل "مواظبةً معهم على الصلاة بقلب واحد في انتظار نزول الروح القدس" (1: 14)، ولا تزال حاضرةً في الكنيسة. إنّها "هناك" حيث تجتمع الكنيسة للصلاة، وهي "هناك" في قلب كلّ مؤمن، وهي في انتظار أن نلقاها "هناك" في ملكوت السموات.

3- أيّتها المرأة
يوجّه يوحنا إلى "أمّ يسوع" لقب "امرأة" مرّتين فقط في الإنجيل الرابع: في البداية، لمناسبة عرس قانا، وفي النهاية، قبل موت يسوع على الصليب، فيضعها في مفاصل إنجيله الرئيسة في مطلع "كتاب الآيات" وفي خاتمة "كتاب الساعة". كلّ شيء يدلنا على أننّا هنا تُجاه تضمين، إذ يعرّفنا يوحنا "بالمرأة" في بداية الحياة العلنية وفي نهايتها، حين باشر يسوع أعماله وفي ساعة موته حين أتّم عمله. ولذلك نقول إنّ لقب "المرأة" الذي يوضع على لسان يسوع يتمتّع ببُعد مسيحانّي، فهو يدلّ على صورة تاريخ الخلاص.
وإذا أردنا أن نذهب إلى أبعد من ذلك نقول إنّ الكتاب المقدّس كلّه يبدأ بوعد الخلاص "للمرأة" في سفر التكوين إذ قال الربّ الإله للحيّة: "وأجعل عداوة بينك وبين المرأة، وبين نسلك ونسلها، فهو يسحق رأسك وأنت تصيبين عقبه" (3: 15)، وينتهي بصورة "المرأة" الملتحفة بالشمس في سفر الرؤيا: "ثمّ ظهرت آية عظيمة في السماء: امرأة ملتحفة بالشمس، والقمر تحت قدميها، وعلى رأسها إكليل من اثني عشر كوكبًا، حامل تصرخ من ألم المخاض... فوضعت إبنًا ذكرًا، وهو الذي سوف يرعى جميع الأمم بعصًا من حديد" (2:12-17)
وكأنّ مريم العذراء هي حواء الجديدة كما لقّبها آباء الكنيسة:
- حوّاء جديدةٌ في الجنّة الجديدة: إنّ عرس قانا الجليل يشبه الفردوس حيث اجتمع الزوجان آدم وحوّاء. ولكن، في الجنة الجديدة لا تقوم مريم بدور الإغراء والسقوط، بل تأخذ دورًا إيجابيًا في إنقاذ الموقف وحلّ الأزمة.
- حوّاء جديدةٌ تتمخّص لا في الآلام الناتجة من العقاب، بل في مشاركة الألم بمن سيقوم بالفداء على الصليب. ألم يشبّه يسوع موته القريب بساعة المرأة التي تحمل في المشقّات، ثّم تفرح بالمولود الجديد؟ (يو 16: 21).
فلا غرابة إذا أعطى يوحنا هذه المرأة المشاركة في مخطّط الخلاص هالةً كونيةً ساطعةً كالشمس والقمر والنجوم، وأصبحت "أمّ الأحياء". فكما حلّ يسوع مكان آدم الأول، وحمل لشعبه نعمة الخلاص، كذلك مريم هي حوّاء الثانية التي أعطت البشرية الحياة في شخص ابنها يسوع (روم 5: 12- 21). "بحوّاء كان الموت وبمريم كانت الحياة".
ومن هنا تأخذ كلمة "أيتها المرأة" بعدًا بيبليًا لاهوتيًا خلاصيًا. وعاد لا يرى فيها أحدٌ لفظًا تحقيريًا أو منتقصًا لاحترام، بل تعبيرًا يأتي ضمن مخطّط الله الخلاصي الذي شاركت فيه النساء أيضًا كما أكّد ذلك بولس الرسول: "ولمّا تمّ الزمان أرسل الله إبنه مولودًا لامرأة.." (غلا 4: 4).
إنّ بولس، على غرار يوحنا، لا يذكر اسم "مريم"، ولكنّه يعترف ضمنًا بأنّ امرأة أصبحت "أمّ ابن الله"، ويعترف صرحة بأنّ "المرأة" هي ضمن مشروع المولود منها بسبب مخطّط الله في غايتين "ليفتدينا... ولنحظى بالتبنّي".

4- الساعة
يحدّثنا يوحنا في عرس قانا الجليل عن "الساعة" (لم تأت ساعتي بعد) للمرّة الأولى. وإذا تتبّعنا تفكير يوحنا نجده يستخدم كلمة "ساعة" مرارًا إلى أن أتت: "كان يسوع يعلم بأن قد أتت ساعة انتقاله عن هذا العالم إلى أبيه" (13: 1). إنّها ساعة الموت، ساعة الانتقال الكبير، ولكنّها أيضًا ساعة العودة إلى أبيه، ساعة التمجيد الأخير: "يا أبت، قد أتت الساعة: مجّد ابنك" (17: 1). لقد أظهر المسيح "مجده" في عرس قانا الجليل، وأظهر مجده أيضًا بموته على الصليب: "أتت الساعة التي فيها يمجّد ابن الإنسان..." (12: 23).
وليس من الصدفة أن تكون موضوعات الساعة والتمجيد مجتمعةً في "الآية" التي تنبىء بمعنى سائر الموضوعات المستقبلية: الآلام والموت والقيامة. وكأنّ ظلّ الصليب يهيمن على عرس قانا الجليل، وفي كلتا الحادثتين نجد مريم شاهدةً "للساعة" التي بدأت والتي أتت.
لقد اشتركت مريم في ساعة العرس ولكنّها ستشارك في آلام يسوع على طريق الجلجلة حتى الصليب والقبر، في انتظار أن يشركها في مجده السماويّ.
على غرار "ساعة" ابنها يسوع، كانت "الساعة" منعطفًا هامًا في حياة مريم كما يقول يوحنا: "منذ تلك الساعة استقبلها التلميذ في بيته".

5- الآية
ربّما لا تكون حادثة تحويل الماء إلى خمر في عرس قانا الجليل آية الآيات، فقد صنع المسيح معجزات بيّنات أكبر منها. ولكن، تظهر مكانة هذه الحادثة في أنّها ليست أولى الآيات فحسب، بل هي تمهيد أيضًا للإنجيل كلّه بحسب يوحنا والذي يُعتبر في مجمله رواية آيات مع تفسير لاهوتّي لها.
أليس الصليب أيضًا آية من الآيات؟ "كما رفع موسى الحيّة في البريّة فكذلك يجب أن يُرفع ابن الإنسان لتكون به الحياة لكلّ من يؤمن" (3: 14، راجع أيضًا 1 قو 1: 22).
وجميلٌ أن نرى "أمّ يسوع" في كلتا الآيتين، لكنّ الأجمل من ذلك أنّها كانت "الخادمة". خدمت أهل العرس مادّيًا ومعنويًا، ووجهت الخدم، وكأنّها واحدةٌ منهم وبينهم. وعند الصليب نجدها الخادمة التي تقول نعم، مرّةً ثانية: "هاءنذا أمة الربّ، فليكن لي بحسب قولك". سبقت التلاميذ في الخدمة والطاعة وسبقتهم عند الصليب. فتحقّقت فيها نبوءة سمعان "وأنت سينفذ سيف في نفسك" (لو 2: 35)، وغدت قدوةً للمسيحيين في أحزانهم ومصائبهم، وهل من معاناة أكبر من أن تحضر أمّ نزاع ولدها؟

6- خمرة العرس ودم الصليب
تحمل الآية التي تمّت في قانا رموزًا خلاصية مسيحانية كما هي الحال في سائر آيات إنجيل يوحنا.
- العرس علامة ملكوت السموات. "ويشبه ملكوت السموات ملكًا أقام وليمة في عرس ابنه" (متى 2:22). والمائدة تشير إلى معنًى مسيحانّي اسكتولوجيّ "سوف يأتي أناس كثيرون من المشرق والمغرب، فيجالسون إبراهيم وإسحق ويعقوب على المائدة في ملكوت السموات" (متى 8: 11). ويصف لنا سفر الرؤيا ملكوت السموات وكأنه عرس كبير فيه الفرح والسعادة: "لنفرح ونبتهج! ولنمجّد الله، فقد حان عرس الحمل، وعروسه قد تزيّنت وخوّلت أن تلبس كتّانًا برّاقًا خالصًا" (19: 7)، "طوبى للمدعويّن إلى وليمة عرس الحمل" (19: 9). والعروس هي الكنيسة التي أحبّها المسيح وبذل نفسه من أجلها (أف 5: 25). ومن هنا يأخذ العرس في قانا بعدًا فصحيًا، حتى إنّ بعض الآباء وجد في كلمة "اليوم الثالث" في بداية الآية إشارة إلى قيامة المسيح في "اليوم الثالث".
- والعريس الحقيقي هو المسيح المستتر الذي بدأ يظهر نفسه كما بشّر به يوحنا المعمدان بقوله: "من يأخذ العروس، هو العريس أمّا صديق العريس وهو الواقف يسمعه، فيستولي عليه الفرح لهتاف العريس. هذا هو فرحي قد تمّ. لا بدّ له من أن يعظم، ولا بدّ لي من أن أصغر" (يو 29:3).
- أما الماء الذي كان معدًا للتطهير فهو يشير إلى زمن العهد القديم الذي سينتهي بقدوم عهد الروح الجديد، فيتحوّل إلى معمودية بالماء والروح. هي الشريعة القديمة التي أنتهى مفعولها لتحلّ مكانها "النعمة والحق" (1: 17).
- وأخيرًا تأتي الخمرة كوسيلة لإنقاذ أهل العريس. إنّها خمرة العهد الجديد التي سيختارها المسيح رمزًا لدمه المهراق. أمّا الجودة والفيض فهما يرمزان إلى عطاء الله اللامحدود وبركته اللامتناهية. والخمر في قانا علامة الملكوت الآتي كما ذكره يسوع في العشاء الأخير: "لن أشرب بعد الآن من عصير الكرمة، حتى ذلك اليوم الذي أشربه جديدًا في ملكوت الله" (مر 25:14 ولو 18:22).
وإذا عدنا إلى حادثة الصليب نجد الرموز نفسها:
- عشاء الفصح هو أيضًا مائدة مقدسة اجتمع حولها يسوع وتلاميذه، وهي وليمة فصحية أنتهت بآية الفداء على الصليب. المسيح المصلوب يذكّرنا بالحمل الذبيح الذي أشار إليه يوحنا المعمدان: "هوذا حمل الله الذي يرفع خطيئة العالم" (يو 1: 29). أمّا يوحنا الرسول فيشير إليه في سفر الرؤيا عندما يحدّثنا عن "الحمل الذبيح" (6:5)، "الذي افتدى بدمه أناسًا من كلّ قبيلة ولسان وشعب وأمّة" (5: 9).
- ويذكّرنا المسيح المصلوب بذلك العريس الذي شبّه به: "أيستطيع أهل العرس أن يحزنوا ما دام العريس بينهم؟ ولكن ستأتي أيّام فيها يُرفع العريس من بينهم، فحينئذ يصومون" (متى 9: 15).
- الدم المُهراق على الصليب والخارج من جنب المسيح يذكّرنا بخمرة عرس قانا الجليل وبالخمر في العشاء الأخير، ويذكّرنا بأقوال المسيح بحسب إنجيل يوحنا: "من أكل جسدي وشرب دمي، فله الحياة الأبدية (6: 54)، "أنا الكرمة وأنتم الأغصان" (15: 5). ويأتي سفر الرؤيا ليصف لنا الشهداء القديسين الذين "غسلوا حللهم وبيّضوها بدم الحمل" (7: 14).
- أمّا الماء الذي خرج من جنب المسيح فهو يرمز، بحسب الآباء، إلى المعمودية كما قال يومًا لنيقوديمس: "ما من أحد يمكنه أن يدخل ملكوت الله إلاّ إذا وُلد من الماء والروح" (3: 5). ويلتقي هذا الرمز ماء عرس قانا وأقوال السيد المسيح بحسب يوحنا: "أمّا الذي يشرب من الماء الذي أعطيه أنا إيّاه فلن يعطش أبدًا، بل الماء الذي أعطيه إيّاه يصير فيه عين ماء يتفجّر حياةً أبدية" (4: 14 و7: 37). أليست هذه حالة القديسين في ملكوت السماوات كما جاء في سفر الرؤيا: "أنا الألف والياء، البداية والنهاية، إنّي سأعطي العطشان من ينبوع ماء الحياة مجّانًا" (6:21 و17:22)؟
إنّ ما جرى في عرس قانا الجليل وعند الصليب شبيه بالليتورجيا. نعيش في الحدثين سرّي المعمودية والإفخارستيّا.
وكأنّ مريم، أمّ يسوع هي القديسة الطوباوية التي تشارك في هذه الليتورجيا الأرضية من خلال آيتي خمرة العرس ودم الفداء للعهد الجديد. ولا عجب إذا أشار إليها يوحنا في سفر الرؤيا حيث تشارك هي أيضًا في ليتورجيا السماء، وتفرح مع الذين "غلبوا الشيطان بدم الحمل وكلمة شهادتهم، ولم يفضّلوا حياتهم على الموت" (12: 11).
وكما شاركت أمّ يسوع ابنها في آيتي قانا والصليب، نذكرها نحن اليوم في صلواتنا الطقسية ونكرّمها ونطوبّها ونغبطها "عروسًا لا عريس لها" و"ممتلئًة نعمةً ومباركةً بين النساء".

7- المخلّص
إن آية قانا هي قبل كلّ شيء رواية مسيحانية، إذ يظهر فيها يسوع مؤسّس تدبير جديد. فهو الذي ينقذ أهل العرس و"يخلّصهم" من المأزق ويأتي شخصه في قلب الرواية.
قال يوحنا في خاتمة إنجيله إنّه احتفظ، من بين الآيات التي أتى بها يسوع، بتلك التي اعتبرها صالحة لحمل الناس على الإيمان بيسوع المسيح ابن الله، ولتكون لهم الحياة (يو20: 30-31). وتأتي آية قانا في هذا الإطار المسيحاني، فماذا يكون معنى "أظهر مجده" بالنسبة إلى يسوع، سوى الظهور كالمسيح المتسربل بمجد ابن الله؟ فإنّ مجد يسوع، في الإنجيل الرابع، هو المجد الذي له منذ الأزل كابن وحيد للآب (1: 14). وما معجزة تحويل الخمر سوى إشارة إلى أنّ الله حاضرٌ في المسيح، يعمل ويتجلّى ويأتي لكي يخلّص، وإلى أنّ الحاضرين نالوا "نعمةً على نعمة" (يو 1: 16).
وإذا ذهبنا إلى الفقرات المتعلّقة بصلب المسيح (19: 17-37) نجد أنّ الكلام فيها يدور على تحقيق المخطّط الخلاصي الذي أنبأ به الكتاب المقدس. فلجميع الأحداث التي تحيط بهذه الحادثة مغزى مسيحيانيّ، وهي تتمّم الأسفار المقدّسة (الاقتراع على الثياب، أنا عطشان...). لقد تجلّى المسيح على الصليب فاديًا ومخلّصًا كما تجلّى في عرس قانا. وتندرج هذه الرؤية الخلاصية في رؤية يسوع لأمّه وإلى جانبها التلميذ الحبيب إليه. فمن غير المعقول أن يغفل يسوع فجأة عن آفاق الخلاص ليطلعنا على قضاياه العائلية عندما يقول: "هذه أمّك".
لا يروي لنا يوحنا أحداثًا عائلية في عرس قانا الجليل وفي حادثة الصليب، وإن كان الإطار المادّي يشير إلى ذلك، فأهل العريس هم من ذوي القربى، ومريم هي أقرب الأقرباء إلى يسوع.
وإنّما حضور "أمّ يسوع" يتجاوز هذا الإطار العائلي المادّي وتظهر فيها جليّة تلك "الأمور الروحية". فبعد أن ولدت مريم يسوع بالجسد، ولدته روحيًا للحياة الرسولية في عرس قانا (9 آ) كما ولدت روحيًا جميع المؤمنين به عند الصليب "هذا ابنك"، فأصبحت "أمّ المخلّص" و"أمّ المخلّصين".

8- الأمّ الشفيعة
لا شكّ في أنّ يسوع، لا أمّه، في قلب رواية عرس قانا. وتردّ الفكرة الخاتمة كلّ شيء إلى شخص يسوع إذ "آمن به تلاميذه".
ومع ذلك، فإنّ "أمّ يسوع" لا تقوم في هذه الرواية بدور ممثّلة صامتة، إذ إنّ ذكرها الذي يجعله يوحنا أولاً في رواية تهدف إلى إظهار مجد المسيح، وتكرار لقب "أمّه" بإلحاح، والانتقال إلى لقب "امرأة"، ومبادرتها في إعداد الآية وتنفيذها، ميزات لا يمكننا أن ننزلها إلى مستوىً من التفاصيل الثانوية.
إنّ الرواية كلّها تهدف إلى إيمان التلاميذ، ولكنّنا نجد "أمّ يسوع" في أصل الآية، فهي التي تعدّ الآية وتحصل عليها.
ولا تقف مداخلة "أمّ يسوع" عند هذا الحدّ، بل لها دور آخر في تدبير الله الخلاصي. فنجدها عند الصليب ذلك الرابط بين يسوع والتلميذ، وبين التلميذ ويسوع.
وكأنّ يسوع لم يتّم كلّ شيء، ولم يسلم الروح إلاّ بعد أن كشف عن علاقة خاصة بين الأمّ والابن الجديد يوحنا، فكان وداعه لأمّه "ذروة" الأعمال التي صنعها حبًا لذويه.
وإذا "أخذها يوحنا إلى بيته" أو إلى خاصتّه، فليس لكي يحتكرها له، بل لتكون رباط الإيمان الذي يصله بالمسيح ويجسَّد في ممارسة المحبّة. وكانت سائر النسوة الواقفات عند الصليب يتأمّلن في هذه الكلمات، ويفهمن أنّ صلة "أمّ يسوع" به هي أكبر من صلة بشرية عابرة وأسمى منها بكثير. فمريم هي المؤمنة الأولى والإنجيلية الأولى. هل كان في استطاعة أيّ رسول أن يشهد لأحداث ميلاد المسيح وطفولته دون العودة إلى أمّه مريم؟
ولذلك، تتقدّم مريم على سائر الرسل والقديسين، وتدعوها الكنيسة الكاثولكية: "المحامية والنصيرة والمعينة والشفيعة والوسيطة"، كما جاء في وثيقة المجمع الفاتياني الثاني (دستور عقائدي في الكنيسة)، وفي رسالة قداسة البابا يوحنا بولس الثاني "أمّ الفادي"، مضيفين: "على أن هذا كلّه يفهم بوجه لا ينجم عنه أيّ انحراف أو زيادة بالنسبة إلى كرامة الوسيط الواحد وفعّاليته، يسوع المسيح" (رقم 60 و62).

9- التلاميذ والتلميذ
يظهر التلاميذ كطرف هامً في رواية معجزة قانا الجليل، إذ ليسوا كالخدم أو كوكيل المائدة أو حتى كالعريس. لقد ذُكر حضورهم مباشرةً مع يسوع كالجماعة الأولى، الكنيسة الصغيرة التي بدأ يُنشئها.
وجاءت الآية دعمًا لإيمانهم وترسيخًا لجماعتهم وكأنّها موجّهة أصلاً إليهم، ولذلك تُختتم بهذا التأكيد: "فآمن به تلاميذه".
عند الصليب، لا نجد مجموعة التلاميذ، بل تظهر الجماعة ممثّلةً بفريق صغير: التلميذ الحبيب، ومريم أمّ يسوع، ومريم قلوبا، ومريم المجدلية..
في كلتا الحادثين تتمتّع "أمّ يسوع" بالأمومة الكنسية فهي في عرس قانا الجليل "أمّ الجماعة"، وعند الصليب أصبحت "أمّ التلميذ". لقد أعطى أمّه ابنًا "هذا ابنك"، ثمّ أعطى التلميذ أمِّا "هذه أمّك"، وهذا دليل على أهمّية الأمومة الجديدة التي تتمتّع بها مريم. وحين "استقبلها التلميذ في بيته" صارت مريم أمًّا لجميع أحبّاء يسوع، في عائلة روحية جديدة.
يرى آباء الكنيسة في شخص يوحنا التلميذ الحبيب سائر التلاميذ، لا بل جميع المؤمنين ولذلك دعيت مريم "أمّ التلاميذ" و"أمّ جميع المؤمنين". لقد أصبحت أمًا لإخوة كثيرين في المسيح يسوع.
10- قدسية العائلة
في عرس قانا الجليل كرّس يسوع الزواج. استنادًا إلى ذلك أدخلت بعض الكنائس الشرقية في طقوسها تقدمه الخمر للعروسين في أثناء بركة الإكليل. ويذكر الكاهن في صلاته على الخمر كيف أنّ يسوع بارك الخمرة في قانا وفي العلّية، ثم يطلب إلى الله أن تكون هذه الخمرة المباركة شفاءً للنفس والجسد، ورمزًا للأفراح السماوية.
في قانا نجد مريم تشارك في غمرة الاحتفال العائلي وفي التبريك. فهي مدعوة قبل يسوع وتصل إلى العرس قبل التلاميذ. ولا تكتفي بالحضور بل تنقذ الجوّ العائلي من الاحباط بعد نفاد الخمرة بتدخلّها لدى ابنها يسوع. يعود هذا المشهد العائلي عند الصليب على هضبة الجلجلة. لا شكّ في أن يسوع يذهب إلى أبعد من الرباط العائلي عندما "يكشف" لنا عن "أمومة مريم الروحيّة" بحسب تعبير يوحنا اللاهوتي "رأى أمّه". ولكن هذا لا يعني أنّه ينسى أمّه بالجسد. نحن أمام مشهد إنساني عاطفي إن دلّ على شيء إنما يدلّ على إكرام يسوع لأمّه، وعلى الاهتمام بمستقبلها، ولذلك يوجّه الكلام إليها أولاً ويضعها أمانة في عنق التلميذ، كما يعطي التلميذ وديعة هي أثمن الودائع.
ويقول بعض آباء الكنيسة إنّ مريم مكثت في بيت يوحنا في جّو عائلي لأنّه كان بيت أختها سالومة أمّ ابني زبدى، كما جاء في بعض الأحوال: "هناك عند صليب يسوع، وقفت أمّه وأخت أمّه (أي سالومة أمّ ابني زبدى)، ومريم امرأة قلوبا ومريم المجدلية" (19: 25). فتكون النساء اللواتي وقفن عند الصليب يسوع أربعًا.
من هنا تصبح مريم مثال الأمّهات في الحفاظ على قدسيّة العائلة، ولا غرو إذا قدّمها البابا يوحنا بولس الثاني بالنسبة إلى الشبان والشابات المقدمين على الزواج بلقب "أمّ الحبّ الجميل"، أو "أمّ العائلة"...
بعد هذا التقابل الذي أقمناه بين نصيّن من إنجيل يوحنا ذُكرت فيهما "أمّ يسوع"، اتّضحت لنا جليًّا أوجه الشبه من حيث الألفاظ الكتابية، والصور الرمزية، والأفكار اللاهوتية والأبعاد الخلاصية كما عودّنا إيّاها يوحنا في رؤيته الخاصة لسرّ المسيح.
وفي هذه الرؤية تحتلّ "أمّ يسوع" دورًا هاما في تدبير الخلاص. هي الرابط بين يسوع وأهل العرس يوم معجزة قانا، وهي الرابط بين يسوع والتلميذ الحبيب عند الصليب. ألا يحقّ لنا أن نستنتج أنّ يوحنا يرى فيها "وسيطة" في المناسبتين؟
لا شكّ في أنّ الخلاص ليس منها بل من المسيح، كما يبدو واضحًا في آية عرس قانا الجليل، ولكن، "بواسطتها"، وهل من وساطة أنجع من وساطة الأمّ؟ فإذا كانت الأمّهات على الأرض بهذه المقدرة، فكم بالحريّ مقدرة الأمّ السماوية لدى ابنها المسيح. لا جرم على المسيحيين عندما يدعونها "وسيطةً" لدى الوسيط الأوحد المسيح المخلّص، لا بل حلوٌ على قلب الابن أن نأتي إليه عن طريق أمّه كما قال لتلميذه الحبيب: "هذه أمّك".
ثالثًا: "أمّ يسوع" بحسب لاهوت يوحنّا
من خلال المقاربة التي أجريناها بين نصّي عرس قانا الجليل وصليب الجلجلة، اكتشفنا حضور "أمّ يسوع" المميّز. وحاولنا رسم ملامح وجهها فرأينا فيها الأمّ العطوف، والمرأة المثالية، والخادمة المطيعة، والمؤمنة القديسة، والشفيعة الطوباوية، والمتألّمة الصابرة، والشاهدة الأمينة... ورصّعنا جبينها بلآلئ الألقاب فهي "حوّاء الجديدة، والمحامية، والوسيطة، وأمّ المخلّص، وأمّ التلاميذ، وأمّ الجماعة، وأمّ المؤمنين..."
ولكن، ثمّة ملامح أخرى تظهر في إنجيل يوحنا خارج الحادثتين المذكورتين، ويجدر بنا أن نقف عندها لنضفي على وجه "أمّ يسوع" ضياء على ضياء.

1- "أمّ الكلمة"
علّمنا يوحنا أن نسمّي مريم "أمّ يسوع" كما تعوّدنا أن نسمّي الأمّهات في بلادنا الشرقية باسم الابن البكر فنقول مثلا "أمّ فادي وأمّ سمير...".
وعلّمنا يوحنا أيضًا أنّ يسوع هو "كلمة الله": "والكلمة صار بشرًا فسكن بيننا" (14:1).
وبما أنّ يسوع هو كلمة الله المتجسّد، نستطيع أن نلقّب مريم "أمّ الكلمة المتجسّد". فهي كما علّمت الكنيسة في مجامعها "أمّ الله"، لأنها ولدت بالجسّد ابنًا هو إبن الله. فمن أنكر أنّ أمّ المسيح هي أمّ الله، أنكر أنّ المسيح هو الله. هذا ما أكّده يوحنا في رسالته الأولى: "ذاك الذي كان منذ البدء، ذاك الذي سمعناه، ذاك الذي رأيناه بعينينا، ذاك الذي تأمّلناه ولمسته يدانا من كلمة الحياة، لأنّ الحياة ظهرت فرأينا ونشهد ونبشّركم بتلك الحياة الأبدية" (1: 1).
مع هذه البشارة بتجسّد الكلمة، يشهد يوحنا بأنّ هذا الجسد أخذه الابن الكلمة من مريم فأصبحت "أمّ يسوع المسيح الكلمة" و"أمّ يسوع المسيح الحياة" الذي ظهر وتجلّى بيننا.

2- الأمّ البتول
قد نجد تناقضًا في الجمع بين الكلمتين فكيف تكون الأمّ عذراء؟ إنّها المعجزة التي خصّ بها الله أمّ إبنه المتجسّد. فمريم هي أمّ بحبّها الكبير، وهي عذراء بطهارتها المنزّهة عن الخطيئة.
وإذا كان يوحنا الإنجيلي يشير على نحو صريح إلى أمومة مريم فيلقّبها "أمّ يسوع"، فهذا لا يعني أنّه ينكر عليها بتوليّتها.
لقد اكتفى يوحنا بالتلميح إلى ولادة يسوع بالجسد من مريم، وصبّ اهتمامه اللاهوتي كلّه، على عكس سائر الإنجيليين، ليبيّن أن الولادة الأولى قد تمّت منذ الأزل بين الآب ولابن. ثمّ تبعتها الولادة الثانية بالجسد حين تمّ الزمان.
وكذلك أيضًا، لمّح يوحنا إلى بتوليّة مريم لأنّ هدفه اللاهوتي كان إبراز أمومتها الروحية بالنسبة إلى يسوع وإلى أتباع يسوع.
وقد وجد بعض آباء الكنيسة إشارة إلى حبل يسوع البتولي حين ترجموا الآية 13 من الفصل الأول في إنجيل يوحنا كما يلي: "فهو الذي لا من دم، ولا من رغبة لحم، ولا من رغبة رجل، بل من الله وُلد"، مشيرين إلى أنّ هذه الحقيقة اللاهوتية تتوافق مع ما جاء نصوص متى ولوقا عن حبل مريم البتولي بفعل الروح القدس.
ويؤكّد بعض الآباء أنّ مريم بقيت بتولاً وليس لها أولاد مستندين إلى حادثة الصليب المذكورة عند يوحنا. فلو كان لها أولاد غير يسوع، لما سلّمها إلى تلميذه يوحنا ليأخذها إلى بيته!
وهكذا نستنتج من إنجيل يوحنا أنّ مريم كانت بتولاً حين حبلت بابنها يسوع، فجاءت ولادة يسوع في الزمان لاحقةً لولادته خارج الزمان. جاءت الولادة الأولى ولادةً من دون أمّ، والثانية من دون أب بشري، فالآب السماوي هو أبوه الحقّ، ومريم هي الأمّ البتول التي أعطت المسيح جسدًا فأصبحت "مسكن الله" و"هيكل الروح القدس".

3- أمّ الكنيسة
لقد أشرنا في معرض حديثنا عن دور مريم في عرس قانا وعند الصليب إلى كونها "أمّ المؤمنين" و"أمّ الجماعة"، فلا غرابة إذا استند البابا بولس السادس والمجمع الفاتيكاني الثاني، والبابا يوحنا بولس الثاني إلى هذه النصوص ليطلقوا عليها لقبًا جديدًا هو "أمّ الكنيسة" أي شعب الله.
ما هو أكيد، أن الارتباط وثيق بين مريم والكنيسة كما جاء في كتابات الآباء القديسين:
- مريم هي مثال الكنيسة: كلتاهما عذراء وأمّ، حملت كلّ منهما من الروح القدس، وكلّ منهما تلد بلا خطيئة ابنًا لله الآب.
- مريم هي قدوة الكنيسة: تحتل العذراء الطوباوية مريم في سرّ الكنيسة المحلّ الأول، قدوةً مثلى في الإيمان والطاعة والمحبّة والاتّحاد الكامل بالمسيح.
- مريم هي رمز الكنيسة: لا شكّ في أنّ العذراء عضو في الكنيسة، لكنّها العضو الأكثر كمالاً، ولذلك توجد الكنيسة على كمالها في مريم. ويقول أحد الآباء "مريم هي الكنيسة قبل الكنيسة" أو قل هي رمز الكنيسة التي اصطفاها الله وطهّرها وجعلها أمًّا لأبناء عديدين.
- مريم هي أمّ الكنيسة، لأنّها تواصل في السماء دورها الوالدي نحو أعضاء المسيح بشفاعتها من أجل ولادة الحياة الإلهية في نفوس المفتدين، كما يقول أحد الآباء: "إنّها أمّ أعضاء المسيح... لاشتراكها بمحبّتها في ميلاد المؤمنين في الكنيسة الذين هم أعضاء هذا الرأس".
إنّ مريم حاضرةٌ في الكنيسة بوصفها "أمّ يسوع"، وفي الوقت نفسه الأمّ التي أعطاها المسيح للناس في شخص الرسول يوحنا، في سرّ الفداء. ذلك ما يجعل مريم، بهذه الأمومة الجديدة في الروح القدس، تلفّنا جميعًا، وكلّ واحد منّا، في الكنيسة. "هي عطية المسيح لكلّ إنسان".
لقد اقتصرنا على هذا القدر من الأسماء التي دُعيت بها مريم العذراء استنادًا إلى إنجيل يوحنا، فليس من دراسات لاهوتية أو تأمّلات روحية إلاّ ووجدت لها، في إنجيل يوحنا، معينًا من الأسماء والألقاب والعبر لا ينضب. (مثال على ذلك قال يسوع: "أنا نور العالم"، فلا عجب إذا دعيت مريم في الصلوات الطقسية الأرمنية "أمّ النّور". قس على ذلك سائر الألقاب المريمية التي يمكن اشتقاقها من إنجيل يوحنا: "أمّ الماء الحيّ". "أمّ الخبز الحيّ"، "أمّ الراعي الصالح"، "أمّ الطريق الحقّ"، "أمّ الكرمة الحقّ...").

الخاتمة
بعد أن تجوّلنا في هذه الحديقة الغنّاء التي تعبق بأريج مريم "أمّ يسوع" كما وصفها يوحنا الرسول في إنجيله، وكما تأمّل فيها الآباء القديسون، لا بدّ من أن نقطف زهرات نحملها معنا على دروب الحياة لتفوح بعطر سماويّ.
الزهرة الأولى زنبقةٌ تذكّرنا ما قالته مريم للخدم في عرس قانا الجليل: "افعلوا ما يأمركم به يسوع". في هذا القول برنامج عمل ومشروع حياة. علّنا نجدّد العزيمة ونسدّد الرؤية لنعود إلى حبّنا الأول (رؤ 2: 4)، فنرى في المسيح "الطريق والحقّ والحياة" (يو 11: 6)، كما رسمه لنا في إنجيله المقدّس.
والزهرة الثانية وردةٌ تذكّرنا أنّ الشوك جزءٌ من الجمال، أي أنّ الألم جزء من الحياة. فهذه مريم تعيش عند الصليب آلام المسيح في جسدها. وهي تدلّنا إلى الطريق لنطابق حياتنا مع المسيح المصلوب، فنعيش هذه الآلام في جسدنا لنبلغ، يومًا، إلى مجد القيامة.
أمّا الزهرة الثالثة فهي قرنفلة تسمعنا صوت المسيح الذي يقول لنا مشيرًا إلى مريم: "هذه أمّك". ما أجمل أن تكون أمّ يسوع أمّنا علّنا نأخذها "إلى بيتنا" كما أخذها يوحنا الحبيب، ونكرمها إكرام الأبناء الصالحين.

Address


Website

Alerts

Be the first to know and let us send you an email when Savant comme un Maronite - يوسف حشيمه posts news and promotions. Your email address will not be used for any other purpose, and you can unsubscribe at any time.

  • Want your place of worship to be the top-listed Place Of Worship?

Share